محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

173

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

المسلم والمؤمن لم يكن معلوماً أنَّه يفهم من إطلاق أهل العلم لهما في ذلك الزمان ، أنهما يُفيدان عدمَ فسق التأويل ، ولا ثبوتَه ، وأما اليومَ ، فقد صار العارفُ لا يُطْلِقُ هذه اللفظة على فاسقِ التأويل ، فلو قال العارف اليوم في فاسق التأويل : إنَّه مسلم كان تزكيةً له من فسق التأويل ، ولو قال ذلك قائلٌ في الصدر الأول ، جاز أن لا يكون تزكيةً من فِسْقِ التأويل . ويدُلُّ على هذه التفرقة بين الأزمان في جواز إطلاق الأسماء وعدمه أن أهل البيت عليهم السلامُ لا يُجيزون أن يُسمَّى الكافِرُ فاسقاً في الزمان الأخير ، لأن تسميته بذلك تُفيد أنَّه ليس بكافر وقد ثبت بالنصوص المتقدمة أنه كان يُسمى فاسقاً في الزمان الأول ، وهذا دليل واضح . فإن قلت : كيف يجوز أن يُسمى مسلماً في ذلك الزمان وهو اسمُ مدح ، والفاسقُ لا يستحق المدحَ ؟ قلتُ : كما يجوزُ أن يسمى مُوحِّداً ومصلياً وحاجّاً ، وذلك لأن هذه أسماء فاعلين ، وكُل من فعل فعلاً حسناً أو قبيحاً ، اشتق له منه اسم ، وإذا فعَل الفاسِقُ ما يستحِق أن يُمدح به ، مُدِحَ بما فعل ، كما يُوصَفُ حاتِم بالكرم ، وعنترةُ بالشجاعة ولا مانع من هذا ، وإنما يمتنع مدحُه على فسقه أو مدحُه على الإطلاق ، فإن قدرنا إنَّه منع من هذا مانعٌ ، لم يمنع من مجرد التسمية ، فقد تصِحُّ التسميةُ من غير مدح ، ويكون الوجه أن المدح لا يستحق إلا مع عدم الإِحباط ، وأما مع الإحباط ، فلا يكون مدحاً ولكن ليس بلازم إذا حَبط الثواب أن يَبْطُلَ اشتقاق اسم الفاعل ، ودليلُه تسميةُ الفاسق موحِّداً ، وأما المقدمة الثانية - وهو أن المسلم مقبول - فسوف يأتي الدليلُ عليها في الفصل الثاني ، إن شاء الله تعالى .